ابن ميثم البحراني
9
شرح نهج البلاغة
البريء من الرياء والسمعة وهو إشارة إلى العبادة الخالصة للَّه ، والمستلزم لتطويع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة ، وقد ثبت في علم السلوك إلى اللَّه تعالى أنّ الزهد والعبادة كيف يوصلان إلى السعادة التامّة الأبديّة . وقوله : فإنّه من يعمل لغير اللَّه يكله اللَّه لمن عمل له . تعليل لوجوب ترك الرياء والسمعة في العمل . فإنّ العامل للرياء والسمعة قاصد أن يراه الناس ويسمعوا بحاله ليعود إليه منهم ما يتوّقعه من مال أو جاه ونحوه من الأغراض الباطلة والأعراض الزائلة . وقد علمت أنّ التفات النفس إلى شيء من ذلك شاغل لها عن تلقّى رحمة اللَّه والاستعداد لها ، محجوبة به عن قبول فضله . ولمّا كان هو مسبّب الأسباب ومنتهى سلسلة الممكنات لا جرم كانت المطالب منه لا من غيره فجرى منه التحديد بالوكول إلى من سواه ممّن عمل له العاملون لاستلزامه الخيبة والحرمان . وخسر العاملون إلَّا له ، وخاب المتوكَّلون إلَّا عليه . وقد سبق منّا بيان معنى كون العامل لغير اللَّه موكولا إلى نفسه وإلى من عمل له في الفصل الَّذي ذمّ فيه عليه السّلام من يتصدّى للحكم بين الأمّة وليس من أهله . قوله : نسأل اللَّه منازل الشهداء ومعايشة السعداء ومرافقة الأنبياء . لمّا كانت همّته عليه السّلام مقصورة على طلب السعادة الأخرويّة طلب هذه المراتب الثلاث . وفي ذلك جذب للسامعين إلى الاقتداء به في طلبها والعمل بها . وبدء عليه السّلام بطلب أسهل المراتب الثلاث للإنسان ، وختم بأعظمها . فإنّ من حكم له بالشهادة غايته أن يكون سعيدا ، والسعيد غايته أن يكون في زمرة الأنبياء رفيقا لهم . وهذا هو الترتيب اللايق من المؤدّب الحاذق . فإنّ المرتبة العالية لا تنال دفعة دون نيل ما هو أدون منها . قوله : أيّها الناس . إلى قوله : يورّثه غيره . أقول : لمّا أشار إلى تأديب الفقراء عن التعرّض للأغنياء بما يوجب لهم ملكات السوء من الحسد ونحوه أردف ذلك بتأديب الأغنياء واستدراجهم في حقّ الفقراء ذوى الأرحام وأهل القبيلة ونحوهم من الأصحاب بالأمر بالمواساة في المال والمئونة لهم لينتظم شمل المصلحة من الطرفين . فاستدرجهم بأمرين :